محمد متولي الشعراوي

2859

تفسير الشعراوى

عندما تنصهر ، وتسمى هذه الأشياء الخبث . ويوضح الحق لنا كيف يضرب الحق والباطل . فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ( من الآية 17 سورة الرعد ) ومهما اختلطت بالحق أشياء فهو كحق يبعد ويطرد هذه الفقاقيع والخبث وينحيها عنه . فإن علا الباطل يوما على الحق فلنعلم أنه علو الزّبد الذي يذهب جفاء مرميا به ومطروحا ، وسيظل الحق هو الحق . وسبحانه يقول : « يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ » . والإيمان هو اعتناق العقيدة بوجود الإله الأعلى ، والبلاغ عنه بواسطة الرسل ، وأن للحق ملائكة ، وأن هناك بعثا بعد الموت ، وحسابا . ويقتضى الإيمان أن نعمل العمل وفق مقتضياته وذلك هو اختيار الخير ، ولنعلم جيدا أن الإيمان لا ينفصل عن العمل . وماذا يحدث لو لم يؤمن الناس ؟ ها هوذا الحق يقول : « وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً » وسبحانه غنى ، وسيظل كونه الثابت - بنظرية القهر والتسخير - هو كونه ، ولن يتغير شئ في الكون بكفر الكافرين ، سوى سخط الكون عليهم لأنه مسخر لهم ؛ لأن الكون ملك للّه ، ولن تتغير السماء ولا النجوم ولا القمر ولا المطر ولا أي شئ . ونقول لك : لو نظرت إلى الدنيا لوجدت الفساد فيها ناشئا مما فعلته وأحدثته يد الإنسان على غير منهج اللّه ، أما الشئ الذي لم تدخل فيه يد الإنسان فهو لا يفسد ، ولم نر يوما الشمس وقد عصيت عن الشروق أو الغروب ، وكذلك القمر لم تختل حركته ، وكذلك النجوم في الأفلاك ، وتسير الرياح بأمر خالقها ، وكل شئ في الكون منتظم الحركة ، اللهم إلا الأشياء التي يتدخل فيها الإنسان ، فإذا كان قد دخلها بمواصفات منهج اللّه فهي منسجمة مع نفسها ومع الكون ، وإن دخلها بغير مواصفات منهج اللّه فلن تستقيم ، بل تفسد . ولذلك قال الحق : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ( من الآية 11 سورة الرعد )